السيد علي الطباطبائي

239

رياض المسائل ( ط . ق )

سيما العوام ومن لا معرفة له بمعاني الألفاظ اللغوية فيقال إن شهد فلان أني لست من أبي أو واجب القتل فهو صادق خلافا للمبسوط وجماعة فجعلوه إقرارا لحجة معلومة الجواب مما تقدم إليه الإشارة فلا يخصص الأصل المقطوع به الدال على براءة الذمة وحيث إن العرف المرجوع إليه خاصة على المختار ليس بمنضبط بل تختلف باختلاف المواضع والأحوال وجب أن يجعل النظر إلى القرائن والخصوصيات الواقعة في كل مقام هو الضابط والمعيار فلو كان اللفظ صريحا في التصديق لكن انضم إليه قرائن تصرفه إلى الاستهزاء بالتكذيب كطريقة أداء اللفظ وتحريك الرأس الدال على الإنكار كما إذا ادعى عليه أحد أنه أقرضه مالا فقال صدقت على سبيل الاستهزاء أو قال لي عليك ألف فقال بل ألوف لم يكن إقرارا وحكي التصريح بذلك عن التذكرة وتبعه جماعة ولو قال لك علي كذا إن شهد به فلان أو إن شئت أو إن قدم زيد أو إن رضي فلان أو نحو ذلك مما يدل على التعليق وعدم التنجيز لا يكون إقرارا بلا خلاف بل عليه في الأول الاتفاق في المسالك وهو الحجة فيه مضافا إلى الأصل وأن وقوع المعلق مشروط بوجود المعلق عليه وهو مناف لمقتضى الخبر اللازم في الإقرار في الجميع ثم الألفاظ التي يقع بها الإقرار صريحا على أنواع منها ما يفيد الإقرار بالدين كذلك كفى ذمتي ومنها ما يفيده ظاهرا كعلي ومنها ما يفيد الإقرار بالعين صريحا كفى يدي كذا ومنها ما يفيده ظاهرا كعندي ومنها ما هو صالح لهما كلدي وتظهر الفائدة فيما لو ادعى خلاف مدلول اللفظ فإنه لا يقبل صريحا كان أو ظاهرا ويقبل في الإقرار المجمل ما يحتمله حقيقة وتقوم الإشارة المفهمة مقامه فيكتفى بها عنه مطلقا قيل لأن المقصودة التعبير عما في الضمير ويحصل بها وعن بعض المتأخرين اشتراط التعذر في الاكتفاء ولعله للشك في تسميته مثلها الإقرار وإن عبرت عما في الضمير ومناط الحكم في الأدلة هو دون التعبير ولا تلازم بينهما فلا يخصص بها الأصل وهذا التوجيه وإن أفاد المنع عنها مطلقا إلا أن الاكتفاء بها حالة الضرورة مستندا إلى الإجماع والأولوية الناشئة من ثبوت الاكتفاء بها حالتها في العقود سيما التزويج القابلة للتوكيل فلو لم يوجب التوكيل فيها مع الضرورة واكتفى فيها لإشارة معها لزم الاكتفاء بها في المقام الغير القابل للتوكيل على المختار بطريق أولى لاندفاع الحاجة بالتوكيل وإن لم يجب ثمة دون الإقرار لانحصار وجه اندفاعها فيه في الإشارة ولو قال عليك بكذا فقال نعم أو أجل فهو إقرار بلا خلاف فيهما ولا إشكال إذا كان المقر عارفا بترادف اللفظين لكونهما كلمة تصديق إذا كان قول عليك خبر أو إثبات إذا كان استفهاما ويشكل في الأخير على المختار من تقديم العرف على اللغة إذا لم يكن عارفا بالترادف وكون أجل بمعنى نعم كما ينفق لكثير من أهل هذه الأزمنة ونحو اللفظتين صدقت أو بررت أو قلت حقا أو صدقا أو بلى في جواب من قال لي عليك كذا مخبرا بلا إشكال حتى في الأخير بناء فيه على المختار من جعل العرف هو المعيار لفهمه منه التصديق وأن موضع في اللغة لإبطال النفي فلا يجب لها الإثبات وكذا لو قال أليس لي عليك كذا فقال بلى كان إقرارا لأنها بمقتضى الوضع المتقدم يتضمن نفي النفي الذي هو إقرار وهو وإن اختص باللغة كما مر إليه الإشارة إلا أن العرف وافقها في هذه الصورة وعلى التنزيل فمخالفته لها فيها غير معلومة فيؤخذ بها عملا بالاستصحاب السالم فيها عن المعارض بالكلية ولو قال بعد القول المذكور نعم قال الشيخ رحمه اللَّه لا يكون إقرارا لوضعها في اللغة لتقرير ما سبق من السؤال فإذا كان نفيا اقتضى تقرير النفي فيكون في المثال إنكارا وفيه عند الماتن تردد ينشأ من ذلك ومن استعمالها بعد النفي بمعنى بل عرفا استعمالا شائعا فليتقدم على مفادها لغة كما مضى مضافا إلى ما حكي عن جماعة من التصريح بورودها لغة كذلك واختار هذا الشهيد في الدروس والسيد في شرح الكتاب ولا ريب فيه إن ثبت كون استعمال العرف بعنوان الحقيقة ولكنه محل مناقشة إذ مجرد الاستعمال ولو كان شائعا لا يقتضيها بلا شبهة فإنه أعم من الحقيقة سيما إذا وجد للفظه معنى حقيقي آخر لغة ومنه يظهر الجواب عما ذكره الجماعة من ورودها بنهج الاستعمال الشائع العرفي في اللغة ثم على تقدير تسليم ثبوت الحقيقة بذلك لم يثبت الإقرار بها أيضا لاحتمال الاشتراك ودفعه غير ممكن إلا على تقدير ثبوت كون هذه الحقيقة غالبة على الحقيقة الأخرى اللغوية تكون في جنبها مهجورة وهو محل مناقشة كيف لا ونحن في عويل في ثبوت أصل الحقيقة فكيف يتأتى لنا دعوى ثبوت الغلبة التي هي المناط في ثبوت الإقرار بها إذ لولاها لكان اللفظة من قبيل الألفاظ المشتركة التي لا تحمل على أحد معانيها إلا بقرينة صارفة وبالجملة فهذا القول ضعيف غايته كما في التنقيح من التفصيل بين كون المقر عارفا باللغة فالأول وإلا فالثاني لعدم وضوح وجه له ولا حجة له فإذا المصير إلى قول الشيخ لا يخلو عن قوة عملا بأصالتي براءة الذمة وبقاء الحقيقة اللغوية ولو قال بعد قول لي عليك كذا أنا مقر لم يلزمه الإقرار به لعدم مذكورية المقر به فيجوز تقديره بما يطابق الدعوى وغيره ولا دلالة للعام على الخاص فيرجع حينئذ إلى الأصل إلا أن يقول به أي بدعواك فيلزمه لأصالة عود الضمير إلى الكلام خلافا للدروس فلم يجعله إقرارا أيضا إذ غايته الإقرار بالدعوى وهو أعم من الإقرار بها للمدعي ولغيره ويضعف بتبادر الأول فيؤخذ به بل لا يبعد حصول الإقرار بالأول أيضا وفاقا لمحتمل الفاضل المقداد والسيد في شرحهما على الكتاب لأن وقوعه عقيب الدعوى يقتضي صرفه إليها عملا بالقرينة والتفاتا إلى قوله سبحانه أَ أَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا وأنه لو جاز تعلقه بغير الدعوى لزم حمله على الهذر فإن من ادعي عليه بدين فقال أنا مقر بكون السماء فوقنا والأرض تحتنا عد هذرا ودفعه عن كلام العاقل مقصود شرعا وبالجملة فالمرجع في حصول الإقرار إلى فهم المعنى من اللفظ عرفا وربما اختلف باختلاف حال المتكلم وكونه من أهل التورية وعدمه ولو قال بعد القول المتقدم بعنيه أو هبنيه فهو إقرار بعدم ملك المقر لأنه طلب شراءه أو اتهابه وهل يكون إقرارا للمخاطب بالملكية فيه وجهان أجودهما نعم عملا بالظاهر المتبادر الناشئ من أن الأغلب في البائع والواهب كونه هو المالك دون الوكيل